Barr al Aman

النهضة ومرحلة ما بعد الغنوشي

هل سيُؤذِن المؤتمر الحادي عشر لحزب النهضة الإسلامي التونسي، الذي تمّ الإعلان عن موعده في موعد أول خلال ماي 2020 قبل أن يؤجل لعدّة مرات لاحقا ، باستبدال راشد الغنوشي من على دفّة رئاسة الحركة؟ فبعد أن سيطرت على ذهن صنّاع القرار داخل الحركة بعض القضايا مثل التّكامل الحكومي و “التخصّص”(الفصل بين الدعوي والسّياسي)، يواجه الحزب الآن إشكاليّة ما بعد مرحلة الغنوشي. هناك عدّة سيناريوهات ممكنة حيال ذلك،غيرأنّه ،وبغض النظرعن اسم المرشّح لخلافة الرئيس، فإن هويّة الحزب وأسلوب قيادته فضلا عن مشروعه قد غَدَت الآن على المحك.

 منذ انبِلاج فجرالثورة التونسية بين سنتي 2010و 2011، كان على كل مؤتمر من مؤتمرات حركة النهضة أن يتصوّر سيناريوهات مستقبلية للمراحل اللاحقة. ففي جويلية 2012، انصبّ اهتمام المؤتمر التاسع على إعادة تشكيل الحزب الرئيسي الممثل للطيف الإسلامي في سياق ما بعد الإستبداد وما بعد رحيل بن علي. أما المؤتمر العاشر، الذي انعقَد في ماي 2016، فقد نسج تصوّرا لافتا من الناحية السياسية، عن التحول إلى مرحلة “ما بعد الإسلاموية”[1]. وبالنسبة لمؤتمر الحزب الحادي عشر، الذي تقرّرعقده مبدئيًّا في ماي 2020، تلوحُ في الأفق نقطة تحوّل جديدة،تتعلّق أساسًا بمرحلة ما بعد الغنوشي. فبعد انتخابه لمرّتين كرئيس للنهضة في 2012 و 2016 ، بلغ الغنوشي الحدّ الأقصى المُتاح لفترتين رئاسيّتين متتاليتين كما ينصّ على ذلك النّظام الداخليّ للحزب الذي يعودُ إلى مؤتمر سنة 2007 في فصله الواحد والثّلاثين.

عصر الغنوشي

لفهم الإشكال الذي يمثّله الرحيل المُحتمل لراشد الغنوشي، من الضّروري الإحاطة بالدور المركزيّ لهذه الشخصيّة ضمن الحركة. فالغنّوشي أساسا أحد مؤسسي الجماعة الإسلاميّة أين كان ينشطُ من خلالها في إلقاء الخُطب والدّروس الدينية منذ السبعينيات، لينتقِل إثر ذلك من الزعامة الدينيّة إلى الزعامة السّياسيّة من خلال اقتراحه تشكيل حركة الإتجاه الإسلامي (MTI) التي شارك في تأسيسها رِفقة “عبد الفتاح مورو”، “بن عيسى الدمني”، “زاهر محجوب” و”الحبيب المكني” في ماي 1981. ثمّ عيّن على رأس الحركة سنة1979، ليتمّ التجديد له عدّة مرّات (1981، 1984، 1991)، وهو الأمر الذي سَمَح له بالتّأسيس لسلطة معنويّة في قيادة الحركة الإسلاميّة.

كما يُعدّ الغنوشي أيضًا الشخصية المحورية في التنظير الفكريّ للحزب، فقد تحصّل مؤلَّفُه “الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة” الذي نُشِر سنة 1993 على لقب “أهمّ وثيقة سياسية وفكرية في تراث الحركة” من قبل مؤتمر الحركة لسنة 2012. [2]إضافة إلى دوره المركزيَّ في التّأريخ للحركة الإسلاميّة من خلال كتابيه “حركة الإتجاه الإسلامي في تونس (1989) و”من تاريخ الحركة الإسلاميّة في تونس”(2001). ولطالما كان الغنوشي الوجه الرئيسي للحزب في الخارج، أين لعب دور السفير الرئيسيّ للتيّار الإسلاميّ في الغرب (نُفيَ إلى المملكة المتحدة سنة1991) فضلاً عن العالم الإسلامي، حيث كان تأثيره الفكريّ على الأوساط الاجتماعية الإسلاميين عميقًا. وبعد الثورة، أضحى الغنّوشي القوّة الدافعة وراء القرارات المصيريّة للحزب، كالتّفاوض والتحالف مع نداء تونس في سنة2014، والفصل بين الدعويّ والسياسيّ في 2016. وبذلك أحكم الغنوشيّ سيطرته التامّة على مقاليد القرار داخل الحزب.

على ضوء هذا الدّورالمتعدّد فكرياً وسياسياً وماليًا ودينيًّا ورمزياًّ لراشد الغنوشي، يتبادر إلى الذهن تساؤلان رئيسيّان:هل سيتمكّن الحزب من البقاء والحفاظ على تماسُكه الداخلي بدون زعيمه التاريخي؟ وهل سيكون رحيل الغنوشي المحتمل بمثابة تناوب بسيط على رأس قيادة الحزب أم استنباط لنموذج جديد للقيادة قد جِيء به تحت الضّغط من المعارضة الداخلية؟

المعارضة الداخلية

بدأت المعارضة الداخليّة للغنوشي في النّشاط منذ سنة 2012، ثمّ تعزّزت خلال مؤتمر 2016. حينذاك اقترح الكثير من القياديين ومن بينهم “عبد الحميد الجلاصي” و”عبد اللطيف المكي”، إدخال جرعة من الانتخاب ضمن الطريقة المتبعة في تعيين أعضاء المكتب التنفيذي، وبذلك يتم انتخاب نصف أعضاء المكتب من قبل مجلس الشورى ويعيّن رئيس الحركة النصف المتبقّي (حتى الآن يتم تعيين جميع الأعضاء من قبل رئيس الحزب)[3]. وعندما اتّجه المؤتمر إلى القبول بهذا المقترح، لجأ الغنوشي إلى التلويح بالإستقالة كنوع من التهديد، ثمّ تمّ رفض المًقترح في النهاية بأغلبية بسيطة (52٪ من الأصوات). وكان تشكيل المكتب التنفيذية الجديد، الدي عين الغنوشي كامل أعضائه، عاملا مؤثّراً في تعزيز جانب الرئيس خلال المؤتمر وترسيخ الإنقسام. وبالتالي، فإن المعارضين الذين تمّ إنتخابهم في لمجلس الشورى على غرار”عبد الحميد الجلاصي” سيتّجهون إلى بذل جهدهم “لمواجهة هذا التركّز المفرط للسلطة” في يد الغنوشي[4].

أمّا ثاني فصول الصراع الكبرى بين الغنوشي والمعارضة الداخلية فقد حدث خلال الانتخابات التشريعية لسنة[5] 2019، حيث قام الغنوشي منفردًا بحذف ثلاثين إسماً من رئاسة القائمات الإنتخابية من جملة 33 دائرة ، وبالتالي تجاوز الغنوشي صلاحياّته مخالفًا لقواعد النظام الداخلي الذي لا يسمح لرئيس الحزب سوى بتعديل 10٪ فقط من أسماء المرشّحين للقائمات الإنتخابية، بشرط أن يكون هذا التعديل مصادقًا عليه من مجلس الشورى. إذ تمّت إزاحة أسماء وازنة على غرار “عبد الحميد الجلاصي” (تونس 2) و”عبد اللطيف المكي” (تونس 1) و”سمير ديلو” (بنزرت) و”محمد بن سالم “(زغوان) ، وهم من أبرز المعارضين لقيادة الغنوشي. ثمّ كانت المواجهة الثّانية على إثر الإنتخابات أثناء تشكيل حكومة “الحبيب الجملي” التي اختار مجلس الشورى دعمها على حساب مرشّح الغنوشي (الحبيب الكشو[6]) وهو ما حمل بعض القياديّين على الإستقالة إحتجاجا[7]، ومن بينهم “زياد العذاري”. وعندما تخلّى الغنوشي أخيرًا عن الحبيب الجملي واتّفق مع نبيل القروي على ترشيح فاضل عبد الكافي (الوزير في حكومة يوسف الشاهد سابقَا)، طالب العديد من أعضاء مجلس الشورى باستقالة الغنوشي. وفي النّهاية،لم تنظر المعارضة الداخلية بعين القبول لجمع الغنّوشي بين رئاسة الحزب ورئاسة البرلمان التي انتُخب لها في نوفمبر 2019.

سلوك التحدي هذا من قبل الغنّوشي ليس بجديد. ففي سنة 1990، حمّله العديد من قياديّي الحركة المسؤولية الشخصية عن المواجهة مع نظام بن علي وطالبوه، لا بالإستقالة من القيادة فقط، بل حتّى رٌفِض أن يتقلّد أيّ منصب قيادي داخل الحركة[8]. وخلال التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعرّض أسلوب المواجهة الحادّة في معارضة النّظام التونسي لانتقادات من جانب طيف داخل الحركة سبق له وأن دعا إلى تبنّي فكرة المصالحة الوطنية.[9] أمّا اليوم، فلا يُدافع معظم المنتفدين عن إقصاء الغنوشي، الذين لا يزالون يعترفون له مع ذلك بإرثهِ التاريخيّ (يُعتبر محمد بن سالم والمكي والشهودي الأكثر تمثيلا لهذا الموقف)، لكنهم يحرِصون جديّاً على عدم ترشيح نفسه في المؤتمر القادم في 2020.و ضرورة مُرافقته للتّغيير في هذا الإتّجاه. وهذا هو جوهرُ الإلتماس الذي وقّعه 100 قيادي من النهضة في سبتمبر الماضي (من بينهم عبد اللطيف المكي وسمير ديلو ومحمد بن سالم)، الذين طالبوا راشد الغنوشي بالإستقالة والسّماح بانعقاد المؤتمر في الموعد المحدد[10].

ومع ذلك، فإن احتمال ظهور مرشح معارض يبدو بعيد المنال حاليّاً، فالشخصيات المعارضة الرئيسية إمّا قد استقالت (الجلاصي في مارس) أو لم تتحصّل على الشعبية الكافية داخل الحزب للفوز في انتخابات الرّئاسة (المكي ، ديلو). قد لا يكون رحيل الغنوشي النهائي أيضًا لحظة انتقال سلسة للقيادة إلى الجيل الجديد، الذي اكتسب إلى حد ما نوعًا من المكانة أثناء تغيير قيادة الحزب، لكن الإستقالات صُلبه مالبثت أن تتزايد (كهشام العريض وزياد بومخلة). ويبدو أنّ بعض الشخصيّات الأخرى، الأقل إثارةً للجدل،والتي تُعتبر أقرب إلى الغنوشي وجلّها من المنتمين إلى الجيل الثاني للحركة (مواليد 1950-60) مثل علي العريض، نور الدين البحيري،عبد الكريم الهاروني ونور الدين العرباوي في وضع أفضل للقيادة. ومن المحتمل أيضًا ترشّح كوادر أصغر نسبيًا (رفيق عبد السلام ونوفل الجمالي) أو (لطفي زيتون الذي كانت تُثير مواقفه جدلاَ كبيرا داخل الحزب) ، على الرغم من أن أي توقع لسيناريو محدّد يبدو آنيا من باب المستحيل.

السيناريوهات المحتملة للمؤتمر الحادي عشر

أثار حلّ المكتب التنفيذي للحزب في 11 ماي الماضي تكهّنات حول تبنّي “إستراتيجية بوتين-ميدفيديف”داخل النّهضة، لتدويم بقاء الغنوشي على رأس الحزب. فاقتداء بما فعله هاذين الزعيمين الروسيين الذيْنِ تبادلا كرسييهما كرئيس ورئيس للوزراء، يُمكن للغنوشي أن يتبادل منصبه مع رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني خلال مدّة رئاسيّة واحدة من أجل التّحايل على شرط عدم التمديد لدورة رئاسيّة ثالثة[11]. يبدو هذا السيناريو مع ذلك، ضئيل الإحتمال،إذ يعني ذلك أنّ الهاروني والغنوشي سيكتسبان ثقة المؤتمرِين  للفوز برئاسة الحزب ومجلس الشورى على التوالي،وهو أمر مستبعد الحدوث لعديد الأسباب، ليس أقلّها ضغط المعارضة الداخليّة (خاصّة داخل المجلس) و تقدّم عمر الغنوشي (78 عامًا) ومغادرة عبد الفتاح مورو للحزب، ممّا يُشرِع الباب أمام الانسحاب السياسي للجيل الأول من الحركة، كما أنّ عودة الغنوشي المحتملة إلى رئاسة الحزب بعد أربع سنوات تبدو كاحتمال غير قابل للتصديق. فصلا عن ذلك، فإن احتفاظ مجلس الشورى بسلطة تكوين اللجنة التحضيريّة للمؤتمر القادم سيُشكّل أيضا قوة مضادة هامّة لرئاسة الغنوشي.

لذلك، يبدو من المرجّح أن الغنوشي لن يترشح لرئاسة الحزب وسيتّجهُ إلى ترشيح وريث يخلفُ خطّه السياسي. وعلى هذا الأساس، يمكنُ لحلّ المكتب التنفيذي أن يُتيح للغنوشي إختيار خليفةٍ له من خلال اختبار شعبيّة العديد من القيادات الرئيسيّة لدى مجلس الشورى الذي سيتعيّن عليه المصادقة على التركيبة الجديدة للمكتب. وعلى الرّغم من أنّ الحزب يقدّم حلّ المكتب التنفيذي كقرارٍ تقنيّ بحت (مغادرة وتعويض العديد من الأعضاء الذين التحقوا بالبرلمان أو الحكومة) وأنّه قد تمّ التّخطيط له منذ فترة طويلة[12]، فإنّ بعض القياديّين يقدّرون مع ذلك أنّ اختيار المكتب الجديد سوف يكون له عواقب مباشرة على القرارات التي سيتخذها المؤتمر[13].

علاوة على ذلك، وفي سياق وباء كوفيد، لا يلوحُ في الأفق موعد محدّد لإنعقاد المؤتمر وربّما يتمّ الإتّفاق[14] على مواصلة الغنوشي لمهامّه كرئيسٍ مؤقّت. ولعل هذا هو السيناريو الذي توقّعته وارتابت منه المعارضة الداخلية التي دعت منذ مارس الماضي إلى “ضرورة عقد المؤتمر الحادي عشر قبل نهاية سنة 2020” و “إلى سنّ تداول للقيادة داخل الحركة”[15]. وفي يوم22 ماي أكد عبد اللطيف المكي على “الحاجة الملحة” لتنظيم المؤتمر بسرعة[16]، وذلك عندما ظهر للعيان أن لا تاريخ محدّدا يلُوحُ لانعقاد المؤتمر. بدا هذا السيناريو (تأجيل المؤتمر والرئاسة المؤقتة للغنوشي) مرجحًا بدرجة كبيرة بسبب الوضع السياسي الهشّ الذي أضحت النهضة تعيشه خلال تلك الفترة (غياب حليف طبيعي قويّ للحزب، وفرض الرئيس قيس سعيد لإلياس الفخفاخ رئيسًا للوزراء دونًا عن إرادة الحزب، فضلاُ عن الهجمات الضارية التي تلقاها من الحزب الدستوري الحر وزعيمته عبير موسي)، وهو ما دعى الحزب إلى الإصطفاف خلف الغنوشي.لكن في المقابل، رفض مجلس الشورى حينذاك اقتراح الغنوشي بتأجيل المؤتمر إلى سنة 2021 بأغلبية ضئيلة تبلغ 55٪ من الأصوات، مما يوضح حدّة الإستقطاب الداخلي حول مسألة تجديد القيادة. ومنذ ذلك الحين، أعلن الحزب عن عقد المؤتمر في بداية سنة 2021، على الرغم من عدم حصول أي تطوّر جديد حتّى الآن[17].

وبمجرّد تحديد الموعد، سيكون المؤتمر مسؤولاً عن انتخاب رئيس جديد وتركيبة جديدة للمجلس. وباعتباره الهيكل الأعلى ضمن الحركة، فإن المؤتمر لديه أيضًا القدرة على تنقيح النظام الداخليّ للحزب. من الصعب التكهن في هذه المرحلة بما إذا كانت الأغلبيّة ستؤيّد إلغاء – أو تعليق – المنع المفروض على تبوّأ منصب الرئاسة لثلاث دورات متتالية. لكن لا ينبغي لنا مع ذلك ذلك استبعاد هذا الاحتمال بالمُطلق، لأنّ كلّ مؤتمر حزبي عادة ما يقوم بإجراء تنقيحات على النظام الأساسي للحزب للتكيّف مع التوازنات الداخلية والوضع السياسي في البلاد ، كما يشير إلى ذلك القياديّ علي العريض[18]. وعلى الرغم من أن مثل هذا التنقيح سيؤدّي إلى كُلفة باهظة على التماسك الداخلي للحزب، الذي أُضعف بالفعل بسبب الإستقالات المتتالية (زيتون ، الشهودي ، الجلاصي ، مورو) ، فإن تفكّك الحزب أو انهياره غير مرجح حاليّاً – بالرغم من توقّع هذا السيناريو عديد المرات، عقب استقالة “حمادي الجبالي” سنة 2013، وإثر التحالف مع نداء تونس عام 2014 ، أو مع الإعلان عن الفصل بين الدعوي والسياسي سنة 2016.

مستقبل النهضة

سيكون لمؤتمر النهضة الحادي عشر والتغيير المحتمل لقيادته أبلغ الأثرعلى مستقبل الحزب وتوازن النظام الحزبي التونسي وكذلك على الوضع الاجتماعي للبلاد. أولى التساؤلات ستُطرح عن كيف تعامل الحزب مع مرحلة ما بعد الغنوشي، حيث سيُتيح التداول على رأس الحركة فرصة لإعادة التفكير في النموذج القيادي المتّبع. فبالنسبة لعديد القيادات التي تفضّل نسبة أقلّ من الهيكلة العموديّة للحزب (سمير ديلو، وزياد العذاري، وزبير الشهودي)، فإن التحدي الأكبر سيكمن في التفاوض على الانتقال من قيادة كاريزماتيّة- يرى البعض أنها استبدادية – إلى نموذج قيادي أكثر احتواء للآراء وجماعياًّ.

وبعيدا عن مسألة تغيير القيادة، فإن “الدور الوطنيّ” للحزب – حسب المفاهيم الداخلية – سيُصبح على المحك. فما هي طبيعة الهوية التي ستمنحُها القيادة الجديدة لحزب تخلّى نظريا عن مشروعه الديني التاريخي ولطالما فضّل التوافق على تحقيق أهدافه السياسية منذ سنة2011؟ لماذا يتشبّث الحزب بهذا التوافق وما هو الثمن الذي يعنيه ذلك لمشروعه السياسي؟ وبشكل أوسع، ما هو الهدف الذي يرسمُه الحزب لنفسه بخلاف الإستمرارية في النشاط السياسي؟

أخيرًا، سيكون الحزب الذي خرج لتوّه من أجواء المؤتمر المقبل مسؤولاً أيضا عن تمثّل القضايا الاجتماعية والاقتصادية، التي تم تهميشها حتى الآن بسبب الأولويّة التي تم منحها لجعل النهضة الحزبً الرئيسي في البلاد. إذ تم انتقاد النهضة لتركيزها على قضايا الهوية والسياسة، لكنها ترى بالفعل أن شرعيتها الثورية قد أضحت موضع شك (انقسم ناخبيها إلى ثلاثة منذ سنة 2011) كما أنّ قدرتها على تلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية أضحت محلّ منافسة من بعض التيارات الثوريّة الجديدة والسياديّة(إتلاف الكرامة)[19]. وكما قال الغنوشي نفسه بتفاؤل: “تونس ستخلق في المستقبل القريب نموذجها التنموي لأنها نجحت في خلق نموذجها الديمقراطي”[20]. لذا فإن الدور الذي ستلعبه النهضة في صياغة هذا النموذج التنموي، بالإضافة إلى مستقبلها كحزب سياسي أوّل في البلاد، سيتحدد إلى حد كبير من خلال نتائج المؤتمر الحادي عشر.

 

يتقدّم المؤلف بأسمى عبارات الشكر إلى “تييري بريسييون” نظير تدقيقاته اللغوية وملاحظاته لإثراء المقال.

 

[1] Frédéric Bobin, « En Tunisie, Ennahda « sort de l’islam politique » », Le Monde, 19/05/2016, https://www.lemonde.fr/afrique/article/2016/05/19/rached-ghannouchi-il-n-y-a-plus-de-justification-a-l-islam-politique-en-tunisie_4921910_3212.html

[2] Fayçal Amrani, « Ennahdha : démocratie et pluralisme », Pouvoirs, 2016/1 n°156, p. 95-106, cité p. 100.

[3] تم اقتراح إجراءات مختلفة من قبل المكي والجلاصي لكنّها كانت تصب في نفس الإتجاه.

[4]حوار مع عبد الحميد الجلاصي،يوم 18 جوان 2019 بتونس

[5] في الأثناء نشب عدد من الخلافات على إثر عزل رئيس الحكومة الحبيب الصيد في جويلية 2016 و قطع العلاقة مع الباجي قائد السبسي في سبتمبر 2018.

[6] Thierry Brésillon, « Ennahda, « l’homme malade » de la politique tunisienne », Orient XXI, 13/02/2020, https://orientxxi.info/magazine/ennahda-l-homme-malade-de-la-politique-tunisienne,3601

[7] Abou Sarra, « Faut-il regretter le départ de Zied Ladhari des structures d’Ennahdha? », Web Manager Center, 01/12/2019, https://www.webmanagercenter.com/2019/12/01/441928/faut-il-regretter-le-depart-zied-ladhari-des-structures-dennahdha/

[8] Mohammed El-Hachmi Hamdi (1998), The Politicisation of Islam: A Case Study of Tunisia. Boulder: Westview Press, p. 73

[9] للإطلاع على عدد من التفاصيل المتعلّقة بهذه الفتترو المعقّدة يمكن الإطلاع على:Vincent Geisser et Éric Gobe (2008), « Un si long règne… Le régime de Ben Ali vingt ans après », L’Année du Maghreb, IV | 2008, 347-381 ; Anne Wolf (2017), Political Islam in Tunisia. The History of Ennahda, Oxford University Press; Rory McCarthy (2018), Inside Tunisia’s Al-Nahda: Between Politics and Preaching, Cambridge: Cambridge University Press.

[10] Seif Soudani, « Ennahdha : 100 personnalités demandent le départ de Ghannouchi », Le Courrier de l’Atlas, 18/09/2020,https://www.lecourrierdelatlas.com/ennahdha-100-personnalites-demandent-le-depart-de-ghannouchi/

[11] « Tunisie – Ghannouchi envisage la stratégie Poutine / Medvedev pour se maintenir aux commandes d’Ennahdha », Tunisie Numérique, 21/05/2020, https://www.tunisienumerique.com/tunisie-ghannouchi-envisage-la-strategie-poutine-medvedev-pour-se-maintenir-aux-commandes-dennahdha/

[12] حوار هاتفي مع علي العريض في 27ماي 2020.

[13] حوار هاتفي  مع القيادي سيد الفرجاني في 27 ماي 2020.

[14] في نسخة سابقة من المقال تحدّث الكاتب عن احتمال تأجيل المؤتمر إلى سنة 2021

[15] « Tunisie: Des signataires d’un document interne appellent à une alternance de dirigeants au sein du Mouvement Ennahdha », Tunisie Numérique, 26/05/2020, https://www.tunisienumerique.com/tunisie-des-signataires-dun-document-interne-appellent-a-une-alternance-de-dirigeants-au-sein-du-mouvement-ennahdha/

[16] « A.Mekki : « Le congrès d’Ennahdha est devenu une nécessité impérieuse » », African Manager, 22/05/2020, https://africanmanager.com/a-mekki-le-congres-dennahdha-est-devenu-une-necessite-imperieuse/

[17] Mohamed Haddad, « La guerre d’Ennahdha (n’) aura (pas) lieu… (Analyse) », Barr al-Aman, 24/09/2020, https://news.barralaman.tn/guerre-ennahdha-aura-t-elle-lieu/

[18] حوار هاتفي مع علي العريض في 27 ماي 2020.

[19] Théo Blanc et Ester Sigillò (2019), « Beyond the ‘Islamists vs. Secularists’ Cleavage : The Rise of New Challengers After The 2019 Tunisian Elections », Policy Brief, 2019/27, Middle East Directions (MED), https://cadmus.eui.eu/handle/1814/65592

[20] « Rached Ghannouchi : Nous appelons au calme et au consensus », Business News, 24/05/2020, https://www.businessnews.com.tn/Rached-Ghannouchi–nous-appelons-au-calme-et-au-consensus,520,98842,3

Add comment

10 + عشرين =