Barr al Aman
An old woman in metro. back to live after the 1st wave of coronavirus COVID-19

الصحة النفسية في زمن الكوفيد 19 في العالم العربي

في شهر ديسمبر لسنة تسعة عشر وألفين، ظهر مرض تنفسي جديد في مدينة ووهان الصينية، سببه فيروس تاجي مستجد. وقد تمت تسمية هذا المرض بCovid-19، وصنف جائحة عالمية. ونظرا لسرعة انتشاره، تم اتخاذ إجراءات للحد من العدوى، كالحد من السفر، وفرض العمل والتمدرس عن بعد، و إجبارية التباعد الاجتماعي. مما أدى إلى تحول جذري في نمط الحياة اليومية لمعظم الناس، وهذا ما تسبب بدوره في ارتفاع نسق الأعراض النفسية من قبيل الهلع، القلق، والتوتر*. ولا ريب أن هذه الجائحة سبقتها أوبئة مشابهة في الأصل الفيروسي وسرعة الانتشار، من بينها مرضا SARS و MERS المتأتيين كذلك عن فيروسات تاجية، إلا أن تأثير Covid-19 النفسي كان أكثر اتساعا، وذلك يعود لازدياد التواصل العالمي و ضخامة وتيرة التعرض للأخبار والمعلومات المتصلة بالجائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت الآثار النفسية في سياق الوبائين السابق ذكرهما منحصرة على الطاقم الطبي والمرضى، فإن جائحة Covid-19 مست كل طبقات المجتمع. و في هذا المقال، يستشف الباحثون مدى تأثير هذا الحدث على الصحة النفسية و جودة الحياة لسكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولعله من المهم الإشارة إلى إن هذه الدراسة جرت بين 11 ماي و 15 جوان من سنة 2020 حيث تم إقرار الحجر الصحي الشامل في معظم البلدان المشاركة لشهرين على الأقل. وقد شملت 6142 مشاركا من 18 دولة في المنطقة، و ارتكزت على استبيان شمل 37 سؤالا استمد الباحثون معظمها من “سلم أثر الحدث، النسخة المنقحة”* (IES-R)، و أتموها بإضافة ستة اسئلة حول مؤشرات الآثار السلبية على الصحة النفسية، وخمسة أسئلة معدلة مستمدة من مقياس الدعم المحسوس (Perceived Support Scale) تكشف عن مدى حضور السند العائلي والاجتماعي في حياة الفرد خلال الأزمة، وأخيراً أربعة اسئلة تحدد مدى إحداث الحالة النفسية للمشارك تغيرات في نسق حياته.

نظرا للتفاوت في مراحل تقدم الوباء من دولة إلى أخرى، يسلم الباحثون بإمكان قصور الدراسة عن تمثيل الفروق بين الدول التي يقيم فيها المشاركون بصفة دقيقة. ومع ذلك، تعتبر هذه الدراسة من أوائل البحوث الجارية على نطاق واسع في هذا المجال باعتبار عدد المشاركين.

رغم ارتفاع عدد الإصابات والوفيات ببلدان الخليج دون غيرها، فقد كان احتمال تسجيل أعلى درجات الضغط النفسي من نصيب المشاركين القاطنين ببلدان شمال إفريقيا

حسب ما كشفت الدراسة عن فروق في مستوى التأثر بمخلفات Covid-19 على النطاق الدولي. إذ وجد الباحثون أن أربعين بالمئة من المشاركين تقريبا سجلوا علامات مرتفعة على سلم IES-R، مما يدل على اضطراب يتراوح بين المتوسط والحاد سببته ظروف الجائحة. و توصل الباحثون كذلك إلى أن معدلات القلق و التوتر كانت الأعلى عند النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين ست وعشرين وخمس وثلاثين سنة. هذه النتائج تتماشى مع ما وجدته دراسات أخرى مستقلة على المستوى العالمي، في المملكة العربية السعودية، في الصين، وفي إيطاليا، حيث تأكد أن النساء يتعرضن للقلق بدرجة تفوق الرجال، وأن المجموعات الأصغر سنا هي الأكثر عرضة للانفعال. لئن كنا نجهل العوامل البيولوجية، الاجتماعية، والإدراكية التي تلعب دورا في الاختلاف بين الجنسين عندما يتعلق الأمر بقابلية الإصابة باضطرابات نفسية، فإن بعض الأدلة تشير إلى أن النساء يختبرن نشاطا مكثفا على مستوى جذع الدماغ في مواجهة المنبهات الباعثة للخوف (fear-based stimuli)، مما يجعلهن عرضة لإبداء أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، في حين يتركز النشاط الدماغي عادة على مستوى الحصين أو قرن آمون (hippocampus) عند الرجال، مما يسمح بقدرة أكبر على تنسيب المنبهات الباعثة للخوف وإدراكها في سياق أقل تهديدا.

وقد لاحظ الباحثون كذلك أن أكثر من ثلث المشاركين واجهوا إحساساً فائقا للعادة بالقلق تجاه مهنتهم (40%) ووضعهم المادي (45.3%)، في حين شعر 60.3% منهم بالقلق تجاه شؤون البيت والعائلة.

قد يكون ذلك عائداً إلى ضبابية الوضع الشغلي بالنسبة لأولئك الذين فقدوا عملهم والعاملين للحساب الخاص، خصوصا ذوي الدخل المحدود منهم، و لانقطاع الدعم الأسري الآتي من مصادر خارجية على غرار المدارس و مؤسسات رعاية الأطفال. علاوة على ذلك، أشارت النتائج إلى أن تلاميذ المستويات الثانوية والطلبة كانوا أكثر عرضة للقلق من حاملي الشهادات العليا، إلا أنه لا يمكن الحسم في هاته المسألة لتضارب نتائج الدراسات النظيرة، إذ يشير بعضها إلى أن حاملي الشهادات العليا قد يقومون بتوظيف آليات مواجهة أكثر فعالية تجاه مسببات القلق، في حين يشير البعض الآخر إلى أنهم ينزعون إلى فهم خطورة الوضع بشكل أعمق، ويميلون إلى الوعي بالذات إلى درجة أكبر قد تقودهم إلى سوء تقدير بعض أعراضهم النفسية على أنها أعراض الوباء، مما يعمق شعورهم بالقلق.

أما في ما يخص مؤشرات الآثار السلبية على الصحة النفسية، فقد سجل ما يفوق الستين بالمئة من المشاركين شعوراً بالرعب والتخوف تجاه الجائحة، في حين كان الشعور بالعجز أقل حضوراً لديهم، وذلك يعود إلى تخصيصهم مزيداً من الوقت للاسترخاء و الانتباه تجاه صحتهم النفسية. إضافة إلى ذلك، فقد أعرب أغلب المشاركين عن استشعارهم لمزيد الدعم من قبل أسرهم، بل وعبروا عن مزيد اهتمامهم بأحاسيس أفراد عائلتهم أثناء فترة الوباء. لقد تمت ملاحظة هذا الارتفاع في نسب الدعم المتبادل بين العائلة والأصدقاء في بحوث أخرى تم إجراؤها في مصر والصين، إلا أن هذه النسب وإن دلت على تقارب أفراد الأسرة الواحدة لتمتعهم بمزيد الوقت المقضى معا، فإنها لا تخفي ارتفاع نسب العنف ضد المرأة عالميا، حيث شهد عدد المكالمات الاستعجالية في أوروبا من قبل النساء ضحايا العنف المنزلي قفزة بنسبة 60% حسب منظمة الصحة العالمية، وذلك في محيط مليء بمسببات التوتر، يسوء فيه توظيف الكحول والمخدرات.

الحجر الصحي

إن الحجر الصحي قد أثر كذلك على وتيرة قيام المشاركين بالأنشطة الجسدية، إذ سجل 42% منهم انخفاضا في معدل قيامهم بهذه الأنشطة، ويمكن تفسير هذا النقص بغلق قاعات الرياضة وفرض الحجر المنزلي الإجباري. و تعد هذه إحدى الإحصائيات التي تدعو إلى الأسف، باعتبار النشاط الرياضي أحد العوامل المساعدة على تخفيض القلق، فقد أثبتت دراسات تم إجراؤها أثناء وباء SARS و Covid-19 وجود رابط وثيق بين المواظبة على الرياضة و بين تحسن التفاعل العاطفي مع الأزمات الصحية، بل و ينصح بالنشاط البدني لا لمكافحة الأمراض العضوية فحسب، بل النفسية أيضا.

إضافة إلى ذلك، لم يكتف الباحثون بوصف الأعراض النفسية الناتجة عن جائحة Covid-19 فحسب، بل قدموا بعض النصائح المساعدة على تفاديها أو على الأقل التقليل من وطأتها:

يرى كاتبو الدراسة أنه في ظل انعدام النفاذ إلى خدمات الصحة النفسية مباشرة، فإن خدمات المرافقة النفسية عن بعد عبر الهاتف مثلا تمثل مصدرا نفيسا للعون على تخطي ما يصعب على الانسان تحمله من ضغط نفسي. و من المفيد أن يتحصل الأشخاص الذين يبدون هشاشة نفسية على الدعم عبر مقاربات ترتكز على التضامن الإجتماعي. كما أنه من المهم أن يخص الإنسان ذاته بسعة من الوقت يقوم فيها بالاعتناء بنفسه وأفراد أسرته، سواء كان ذلك عبر مشاركتهم مشاعره والإصغاء إليهم، أو الاسترخاء والقيام بأنشطة مبهجة كالهوايات أو الرياضة. لإنجاح هذا الرهان، يدعو الباحثون اخصائيي الصحة إلى توحيد جهودهم قصد تمكين كل من يعاني من هشاشة نفسية، جسدية، أو اقتصادية من الدعم و الوعي الكافيين لحماية ذواتهم وذويهم من مضار الجائحة، وذلك بإقامة دورات دعم إفتراضية، أو بتوفير التعليم النفسي الذي له أن يمكن المستفيدين من أدوات الاسترخاء في البيت و تقنيات مكافحة التوتر. و شدد الباحثون كذلك على أهمية المواظبة على التمارين الرياضية المنزلية، مؤكدين على كونها حلا وأداة وقاية ناجعة ضد الضغط النفسي داعين لمزيد الوعي بأصناف التمارين المنزلية ومنافعها.

في حين كشفت بعض الدراسات المشابهة أن عمال قطاع الصحة، إضافة إلى الأناس الذين سبق وأصيبوا بCovid-19 وأفراد أسرهم هم أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسية ناتجة عن الصدمات التي تتأتى عن التعايش مع الجائحة عن قرب ومعاينة آثارها، فإن هذه الدراسة تشير إلى عدة عوامل أخرى، كالعمر والجنس ومكان العيش، من شأنها أن تضع المرء في ظرف أكثر هشاشة على المستوى النفسي، فالأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و 35 سنة، و النساء، و القاطنون بشمال إفريقيا، إضافة إلى التلاميذ والطلبة وحاملي الشهادات العليا، كلهم سجلوا وتيرة أعلى لحضور أعراض نفسية مرتبطة بالحالة الوبائية. ييسر التعرف على المجموعات الأكثر عرضة للمخاطر النفسية الوصول إليهم ومدهم بالعون والعلاج المناسب، وبذلك تقل عليهم وطأة القلق والتوتر الناتجين عن ظروف الجائحة و الإجراءات المتخذة للتحكم في انتشارها.

لم يبق قبل بلوغنا الاستنتاج إلا إن نشير إلى حدود الدراسة التي سلف واكتشفنا سياقها، اساليبها البحثية، ونتائجها. وهنا ننوه بأن الأدوات التي تم توظيفها في هذا البحث ذات طبيعة ذاتية غير موضوعية، إذ لم يراقب الباحثون المشاركين في السبر لفهم مدى تأقلمهم وقياس ردود فعلهم، بل عولوا على التقييم الذاتي عبر استبيانات يملأها المشارك ذاته غير مؤهلة لاعتبار الأحداث السياسية، الإقتصادية، والشخصية المستقلة عن الوباء التي بإمكانها أن تؤثر على الأجوبة، الشيء الذي يعرض البيانات للانحيازات الشخصية للمشارك و يخفض من دقتها. يجدر كذلك الاعتراف بأن طبيعة البحث التقاطعية و المحدودة في الزمن لئن كانت فعالة في وصف عمق الأثر النفسي على المجموعة في لحظة محددة، فهي لا تمثل مجال الفوارق بين كل المجموعات وبين المراحل الزمنية. قد نعيب على الدراسة كذلك استغلالها لمنهج إحصائي لا يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الديمغرافية بين الدول المشاركة في الدراسة، وهذا من شأنه أن يكون عاملاً من عوامل الفروق بين الدول. نلاحظ أيضا أن إستغلال الباحثين لوسائل التواصل الإجتماعي دون غيرها وإن سمح للاستبيان أن يصل إلى عدد كبير من الناس، فقد منعهم من اعتبار أولئك الذين لا يتمتعون بالنفوذ للانترنات، وذلك ما يقلص من إمكانية تعميم نتائج البحث. تغطي الدراسة هذه النقائص بسعة انتشارها، وهو عامل مهم في تقليص تأثير القيم المتطرفة الناتجة عن الانحيزات الممكن ظهورها عند للمشاركين، وترفيع القيمة الموضوعية للنتائج وإمكانية تعميمها. كما تمكنت الدراسة كذلك من ضمان إخفاء هوية المشاركين بعدم جمع معلوماتهم الشخصية أو تعريضهم للتواصل المباشر مع الباحثين، مما يقلص من انحياز الإعجاب* (desirability bias) عند المشاركين.

ختاما، يجدر القول إن هذا البحث الجامع لتجارب آلاف المشاركين من بلدان مختلفة و مناح حياتية متعددة قد تمخض عن نتائج قيمة تطلعنا على أوجه الصحة النفسية وجودة الحياة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ كشفت ارتباط جائحة Covid-19 بتأثير سلبي معتدل الوقع على الصحة النفسية للراشدين في المنطقة من جهة، ووثقت أثرها الإيجابي على العلاقات الأسرية وعلى وعي الأفراد بصحتهم النفسية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، دعا الباحثون إلى مزيد وعي العاملين بقطاع الصحة بعوامل الخطر النفسي على المجموعات المهددة بالاضطرابات أثناء الأزمة، وأكدوا على ضرورة تقديم الحكومات والمشرعين الدعم الاجتماعي والمادي لمن يحتاجه من العائلات محدودة الدخل، إذ يلعب الأمان الاقتصادي دورا مهما في تأمين التوازن النفسي.

التعاريف حسب ظهورها في النص:

الهلع: خوف مفاجئ خارج عن السيطرة، يأخذ مجراه عند ملاحظة وجود خطر يهدد سلامة الفرد (adapted APA dictionary definition of Panic)

 

القلق: شعور مطول بالتخوف من تهديد محدق يحفز تفاعلا جسديا متمثلا في تشنج العضلات وتسارع النبض والتنفس استعدادا لمواجهة خطر ما. (adapted APA dictionary definition of Anxiety)

 

التوتر: استجابة نفسية وعضوية تجاه عوامل مجهدة (stressors) داخلية أو خارجية. عادة ما تكون حالة التوتر مطولة، وهي تؤثر  في جميع أجهزة الجسد تقريبا. التعرض المزمن للتوتر يسبب بصفة مباشرة أمراضا واختلالات عضوية ونفسية متعددة، وينعكس سلبا على جودة الحياة. (adapted APA dictionary definition of stress)

 

سلم تأثير الحدث-النسخة المنقحة (IES-R / Impact of Event Scale – Revised): هو استبيان ذاتي يجيب خلاله المشارك على 22 سؤالا، يوظف لقياس الأثر المحسوس لحدث صادم محدد على الفرد البالغ. ينتج عن الاستبيان مجموع دال على مقدار التوتر المحسوس الناتج عن الحدث، ومعدلات تقيس مؤشرات تدخل الحدث في العمليات الإدراكية، تجنب الحدث، وفرط اليقظة الناتج عن الحدث. رغم نجاعة السلم في التنبؤ بالإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، فهو لا يعد وسيلة تشخيصية لهذا الاضطراب. (Try this: General assessment series from the Hartford Institute for Geriatric Nursing, New York University Rory Meyers College of Nursing)

إنحياز الإعجاب الاجتماعي (Social Desirability Bias): نزعة الإعجاب الإجتماعي هي آلية نفسية لا واعية تؤثر  في المرء بجعله يقدم نفسه أو أفعاله بطريقة يراها الغير في ضوء إيجابي. في سياق البحث العلمي، يعتبر هذا الانحياز عاملاً يجب إقصاؤه (controlled variable) حيث أنه يشجع المشاركين في الدراسات على الإجابة حسب ما هو مقبول إجتماعيا، أو حسب ما يعتبرونه هدف الباحث، عوض الإجابة بطريقة تمثل أفكارهم وتجاربهم بحق.  (adapted APA dictionary definition of Social Desirability

 

المقال:

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

Add comment

3 × خمسة =